يعتقد اتباع الديانة البكرية بأنّ التبرّك بآثار أولياء اللّه شِركٌ باللّه، و تعتبر الّذي يُقبّل محراب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و منبره مشركاً.

إنّ المنع من التبرّك بآثار الرسول الأكرم و تقبيل ضريحه المقدّس و منبره الشريف هو من أشّد الإجراءات الّتي يتّخذها البكرية ضدّ المسلمين. ولطالما أراقوا ـ في هذا السبيل ـ دماء الأبرياء وهتكوا الأعراض و النواميس في حرم النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ زعماً منهم أن التبرّك و التقبيل عبادة لصاحب القبر. 
إنّ هؤلاء الغرباء عن الإسلام أخطأوا في فهم معنى العبادة و مفهومها، و لهذا تاهوا في متاهات الضلال و الباطل، فاعتبروا كلّ احترام للميّت عبادة له، مع العلم أنّ تقبيل الضريح المقدّس و التبرّك بالآثار النبوية إنّما هو في سبيل اللّه سبحانه، لأنّ المسلمين لا يكرّمون النبىّ الأكرم و لا يتبرّكون به و بآثاره إلاّ لأنّه رسولُ اللّه و نبيُّه الحبيب المصطفى، الّذي شرَّفه اللّه على كلّ الأنبياء و المرسلين و فضَّله على الخلق أجمعين، فكلّ تكريم و تعظيم لأولياء اللّه إنّما هو تعظيم للّه سبحانه، وليست حقيقة التوحيد إلاّ أن يكون كلّ شيء للّه و من أجله و في سبيله، و عند ذلك يكون اللّه هو المبدأ كما يكون هو المنتهى.

فالبحث عن التبرّك بآثار الأولياء، فيجب أن نَعرض المسألة على كتاب اللّه و سُنَّة رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كي يتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره.

القرآن و التبرُّك

نكتفي من القرآن الكريم بآية واحدة، و هي عن لسان النبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ :
(اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأتِ بَصيراً...)(1).
إنّ النبىّ يوسف أرسل قميصه إلى أبيه، و قال لإخوانه: اذهبوا بقميصي هذا وألقوه على وجهه حتى يعود إليه بَصَره.
يقول تعالى:
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَاْرتَدَّ بَصيرَاً...)(2).
فهذه الآية صريحة بجواز التبرّك بآثار الأنبياء و الأولياء حتى لنبىٍّ آخر، فهذا النبىّ يعقوب يتبرّك بقميص النبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ و من الواضح أنّ الشفاء من اللّه سبحانه، فهو المؤثّر في الأشياء، إلاّ أنّ التبرّك بالقميص صار وسيلة للشفاء كما يكون الدواء كذلك بإذن اللّه تعالى.
يا تُرى... إذا كان تبرّك النبىّ يعقوب بقميص ابنه يوسف يقع أَمام النجديّين و أتباع محمّد بن عبدالوهّاب ماذا كان يحكمون عليه؟ بالكفر؟ بالشرك؟ بالذنب؟ و هوالنبىّ المعصوم عن الخطأ والاشتباه!
إنّ تبرّك المسلمين بضريح رسول اللّه و آله الطاهرين و بآثارهم ـ صلّى اللّه عليه و آله وعليهم أجمعين ـ لا يختلف عن تبرّك النبيّ يعقوب بقميص ابنه يوسف ـ عليهما السّلام .

التبرُّك و سيرة المسلمين

إنّ نظرة خاطفة في سيرة المسلمين ـ بدءاً من الصحابة و إلى هذا اليوم ـ تكشف لنا عن السُّنَّة المتَّبعة لديهم تجاه التبرّك بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و آثاره الشريفة طوال التاريخ، و فيما يلي نذكر نماذج من ذلك، مع مراعاة الاختصار:

إنّ فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين بنت رسول اللّه حضرت عند قبر أبيها ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه و تبكي و تقول:
ماذا على من شمَّ تربةَ أحمد * ألاّ يشمَّ مدى الزمان غَواليا
صُبَّتْ علىَّ مصائب لو أنّها * صُبَّت على الأيام صِرنَ لياليا(3)
إنّ عمل السيدة الزهراء المعصومة هذا لا يدلّ إلاّ على جواز التبرّك بقبر رسول اللّه و تربته الطاهرة.
إنّ بلال ـ مؤذّن رسول اللّه ـ أقام في الشام في عهد عمر بن الخطّاب لعنه الله فرأى في منامه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يقول له:
«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟»
فانتبه حزيناً وجلا خائفاً، فركب راحلته و قصد المدينة فأتى قبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فجعل يبكي عنده و يُمرِّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن و الحسين ـ عليهما السلام ـ فجعل يضمهّما و يقبّلهما... إلى آخر الخبر.(4)
3ـ قال ابن حجر:
«كلّ مولود وُلد في حياة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يُحكم بأنّه رآه، و ذلك لتوفّر دواعي إحضار الأنصار أولادهم عند النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للتحنيك و التبرّك، حتّى قيل: لمّا افتُتحت مكّة جعل أهل مكّة يأتون إلى النبىّ بصبيانهم ليمسح على رؤوسهم و يدعو لهم بالبركة»(5).
و في ذلك يقول مؤلّف كتاب «تبرّك الصحابة»: «لا شكّ أنّ آثار رسول اللّه ـ صفوة خلق اللّه و أفضل النبيّين ـ أثبتُ وجوداً و أشهر ذِكراً، فهي أولى بذلك «التبرّك» و أحرى، و قد شهده الجمّ الغفير من الصحابة و أجمعوا على التبرّك بها، والاهتمام بجمعها، و هم الهداة المهديّون و القدوة الصالحون، فتبرّكوا بشَعراته و بفضل وضوئه، و بعَرَقه، و بثيابه، و بمسّ جسده الشريف، و بغير ذلك ممّا عُرف من آثاره الشريفة الّتي صحَّت به الأخبار عن الأخيار»(6).
و يكفي في ذلك ما رواه الامام أحمد في مسنده:
«إنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يؤتى إليه بالصبيان فيُبرّك عليهم و يُحنّكهم»(7).
و قد كان الصحابة يتبرّكون بفضل وضوئه و غسله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد روى البخاري:
«خرج علينا رسول اللّه بالهاجرة، فأُتي بوضوء فتوضّأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه و يتمسّحون به»(8).
و قد وردت في ذلك روايات مَلأت الصحاح و المسانيد.
وكان الصحابة يتبرّكون بشَعره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد روى أنس:
«أنّ رسول اللّه لمّا حَلق رأسه كان أبو طلحة أوّل من أخذ شَعره»(9).
إنّ قوله: «كان أبو طلحة أوّل من أخذ شَعره» يدلّ على أنّ الصحابة تسابقواإلى التبرّك بشَعره المبارك، و كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ 
و روي أيضاً: «أنّ رسول اللّه أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ثم قال للحلاّق: خُذ، و أشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يُعطيه الناس»(10).


1. يوسف: 93.
2. يوسف: 96.
3. لقد ذكر هذه القضية جمع كثير من المؤرّخين، منهم السمهودي في وفاء الوفا: ج 2 ص 444، و الخالدي في صلح الاخوان: ص 57 و غيرهما.
4. أُسد الغابة: 1 / 28.
5. الإصابة: 3 / 631.
6. تبرّك الصحابة: 5.
7. مسند أحمد: 6 / 212.
8. صحيح البخاري: 1 / 59; فتح الباري: 1 / 256.
9. صحيح البخاري: 1 / 54.
10. صحيح مسلم: 3 / 947.
11. صحيح البخاري: 7 / 147; فتح الباري: 10 / 85.
12. صحيح البخاري: 4 / 188.